المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : "دموع ساخنة" لأسماء النهدي الجزء الأول


رايد بن بدر
07-07-2006, 06:24 AM
هذه أحدى روايات الكاتبة / أسماء النهدي من الإمارات .....

أشارت الساعة إلى الثالثة ظهرا، فخرجت أم خالد من المطبخ وجلست في الصالة، رأتها هند في تلك اللحظة وتبسمت لها ثم قالت لها:

أتنتظرين خالد كعادتك يا أم خالد؟

نعم، فالساعة تشير للثالثة وموعده الآن..

وما هي إلا دقائق حتى دخل خالد ورأى الاثنتين تبسم لهما ثم ألقى التحية كعادته وقبل رأس والدته ثم قال:
ما الأمر يا أم خالد الغالية أراك تجلسين هنا.. أتنتظرين أحدا ما؟؟

نظرت إليه هند وضحكت ثم قالت بأسلوب ساخر:

ألا تعلم أنها العادة اليومية لأم خالد أنها تنتظر ابنها الغالي الباش مهندس خالد، نحن بناتها هند وبسمة لا تنتظرنا بهذا الشكل.. يا حظك يا أخ خالد.

ابتسمت الأم قليلا ثم قالت:

أنت تعلمين يا هند أن خالد غالي على قلبي جدا وهو بكري وسندي وكل أملي ثم أن أخاك خريج ولا تنسي هذا الشيء، ولابد أن انتظره وأقلق عليه و..و....

انفجرت هند لتوقف أمها عن هذا الكلام والمدح قائلة:

يا أم خالد احم احم نحن نغار.. ثم ما رأيك أن نضع الغداء لابد أن المهندس شديد الجوع. أومأ خالد رأسه بالإيجاب ثم أشارت له الأم أن يبدل ملابسه إلى أن يجهز الغداء.


حل المساء فجلس الجميع في الصالة يشاهد التلفاز ويتناقشون في أمورهم و أحداث يومهم، إلى أن أشارت الساعة للحادية عشر ذهب الكل لغرفته لينام، وعندما كانت الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل قام خالد من نومه لشعوره بالعطش وعندما خرج متوجها للمطبخ رأى والدته جالسة في الصالة حزينة وقلقة، دنا منها خالد وجلس بجوارها ثم قال:

أمي ؟! ما الأمر؟ لماذا أنت هنا؟ لماذا لست نائمة؟؟ هل تشكين من شي؟ تكلمي ولا تخفي علي شي.

رفعت أم خالد عينيها من الأرض ونظرت لخالد ثم قالت:
لا تقلق يا بني.. إني لا أشكو من شي.. لكنني أنتظر عودة والدك، سأرى متى يعود اليوم.

غضب خالد وقال بصوت منخفض فيه شي من الحدة:

أنت تتعبين نفسك بهذه الطريقة.. لماذا تنتظرين عودته.. هو كل يوم يعود بوقت مختلف.. هو لا يكترث إن كان له بيت أو عائلة.. لا أعرف كيف هو أب لنا.. إنه شخص لا قيمة له....

وقفت الأم من فورها لتوقف خالد عن متابعة حديثه:

كفى يا خالد.. لا تنسى أنه والدك مهما حصل.. كفى..

أي أب هذا الذي تتحدثين عنه؟! ما هو إلا مجرد إنسان حاد عقله عن طريق الصواب وانطلق لدرب الحرام، لا تنسين أنه إنسان سكير درجة أولى والعيشة معه لا تطاق أبدا.. ولا أعلم كيف تتحملينه أنت ولماذا صابرة عليه، لو غيرك من النساء لطلبت الطلاق للتخلص من هذا الإنسان.

لا أستطيع قلبي يقول لي أنه سيعود لما هو عليه.. سيعود لطريق الرشاد بإذن الله.. سترى يا بني..

ثم انصرفت الأم لغرفتها حتى لا تدخل مع خالد في نقاش حول والده لأنها تدرك أن نهاية المناقشة هي الشجار والخروج عن الطور والبكاء وغيره من الأمور غير المرضية.. عاد خالد لغرفته وهو غاضب من أبيه ومن ردة فعل وصبر والدته.

في اليوم التالي وبعد عودة الفتيات من مدارسهن عادت بسمة وهي تبكي، دخلت للبيت والدموع في عينيها تسيل كالشلال، واتجهت لغرفتها لتستلقي على سريرها وتواصل بكاءها الحاد، ضمتها والدتها لأحضانها سألتها مذعورة:

ما الأمر يا ابنتي يا حبيبتي؟؟!! لماذا كل هذا البكاء؟؟ ماذا حدث؟ تكلمي..

نظرت بسمة لوالدتها وارتمت في أحضانها ثم واصلت في البكاء وهي تردد "أكره أبي أكره أبي"..

ظل الجميع يحاول أن يعرف ماذا حل ببسمة هكذا فجأة لكنها أصرت على ترديد تلك العبارة، ثم تركوها حتى تهدأ من تلقاء نفسها، بعد حوالي ساعتين خرجت من غرفتها وتوجهت نحو والدتها وهند وخالد وكانت تتنهد والدموع تتساقط دمعة تلو دمعة، أشار خالد أن تجلس بجانب والدتها ثم قال:

كيف حالك الآن يا بسمة؟؟ هل أنت على ما يرام؟ أتودين أن تخبرينا ماذا حدث لك اليوم؟؟

واصلت هند طرح الأسئلة:

ما الأمر يا بسمة؟ ما الشيء الذي أزعجك وكدر خاطرك هكذا وجعلك تبكين بشكل فظيع؟ ولماذا كنت ترددين عبارة أكره أبي؟؟

لأني أكره ذاك الإنسان الذي ندعوه بأبي وهو لا يستحقها..

قالت هذه الجملة وقلبها مليء بالغضب والحقد، توقفت دموعها وبدأت عيناها تشتعلان غضبا ونارا ثم واصلت حديثها:

اليوم في الفرصة جاءت طالبة في الصف المجاور لنا وهذه الطالبة لا أعرفها كثيرا وليس بيننا سوى السلام فقط، أشارت البنت بأنها تود أن تتحدث معي على انفراد، وعندما كنت معها قالت لي كلاما لا يصدقه عقل وغضبت منها، لقد قالت لي أن .. أن ..أن والدي...

نظر الجميع لها وقالت والدتها : أن والدك ماذا؟؟ أكملي .. لا تخشي شيئا.. ماذا قالت البنت؟؟

أطرقت بسمة برأسها ونظرت للأرض وقالت بحياء:

أن والدي.. سكير .. صايع.. ضايع .. سيء .. أنه باختصار إنسان سيء.. واقع في الحرام، طبعا لم أصدقها في البداية، عندما قالت سكير قلت في نفسي ليس بالجديد، وطلبت منها الدليل لو كانت تقدر فعرضت علي أن أركب معها السيارة عند عودتنا في الظهر، بعد طول تفكير وافقت، وعندما ركبت معها توجهنا للبحر، وعند الشاطئ رأيت تلك المناظر الخليعة، ثم فتحت النافذة وأخرجت يدها لتشير على رجل متمدد على رمال الشاطئ وحوله النساء العاريات وقالت لي " أليس ذاك هو والدك؟ قد لا أكون أعرفك حق المعرفة لكني أعرف والدك لأني رأيته مرة في المدرسة، أنظري إلى ذاك الرجل وأمعني النظر علني أكون مخطئة.." ، نظرت إليه كثيرا وقد تأكدت أنه هو، لم أصدق عيناي وكرهت حياتي، كنت أتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعني.

ثم واصلت دموعها بالانهمار وارتمت في أحضان والدتها مرة أخرى تواصل بكاءها، ثم توقفت فجأة وقالت موجهة السؤال لخالد:

أخبرني يا أخي بالحقيقة .. لماذا هو حال والدنا؟ لماذا أصبح بهذا الطريق؟ ألا يعرف الحلال من الحرام؟ أخبرني..

ارتبك خالد بهذا السؤال وأخذ يقلب نظره تارة لوالدته ومرة لأخته هند ثم نظر لأخته الصغرى بسمة:

اسمعي يا بسومة.. هناك الكثير من الناس الذين حين يفقدون أشياء كثيرة في حياتهم يصيبهم اليأس والاكتئاب والضيق، لكن لا يستخدمون عقولهم في كيفية تدبر أمور حياتهم، فبدلا من إيجاد طريق صحيح مضيء يلجئون لهذا الطريق .. طريق الخمر والمخدرات والقمار والحرام لاعتقادهم أن هذا الطريق يسعدهم ويبعدهم عن الماضي وعن الهم وعن الدنيا بما فيها، وللأسف لا يراعون أي شيء فيصبح هذا الحرام هو شغلهم الشاغل، وللأسف أن من يقال له والدنا لجأ لهذا الطريق بعد تقاعده وفشله في مشروع السوبرماركت الذي كان يحلم به..

ردت بسمة باستغراب:

فقط لهذا السبب أصبح والدي سيئا؟ وأنت يا والدتي أين كنت؟ لماذا لم يكن لك دور في حياته؟؟

أخذت الأم نفسا عميقا ثم قالت بحزن:

أنا يا ابنتي حاولت معه وقفت لجانبه، بعت ما لدي من ذهب لأجله، لكنه استخدمه في الحرام بعد أن دله على ذلك مجموعة من الرجال السيئين الذين كان يجتمع معهم في المقهى.

في تلك الليلة وفي الساعة 9.45 مساءا دخل الوالد للمنزل وهو ثمل بدرجة ملحوظة، استقبلته زوجته وقالت:

أهذا أنت؟ أخيرا تذكرت أن لديك بيتا وزوجة وأبناء لتعود إليهم؟

غضب أبو خالد من هذا الكلام، وأزاحها بقوة عن طريقه وقال:

لا تنسين أن هذا البيت هو بيتي يا امرأة، أعود وأخرج متى أشاء، هل تفهمين؟ ثم إنني عائد لأن ما لدي من مال قد انتهى وأريد المزيد، أسرعي وأعطني دون أي نقاش وكلام..

ومن أي لي بالمال، معاش التقاعد تأخذه كله لك وتصرفه في الحرام لا علي وعلى أبنائك.

ضحك أبو خالد بصوت مرتفع ثم جلس على الأرض وقال:

يا امرأة إني أعلم أن والدك مخصص لك راتب تصرفينه على هؤلاء الأبناء الذين فقط يقولون هات واعطني ولا يقولون خذ وتفضل، بسرعة يا أم خالد أعطني المال اللازم.

استحي يا رجل.. أتريد أن تأخذ مال أبنائك، يجب أن تعلم أن والدي ليس ملزما بأن يصرف علي وعلى أبنائي ولكن عندما علم بحال ابنته قام بتخصيص مبلغا من الأموال التي يجمعها من رواتب إخواني لأصرفها على بيتي وأبنائي..

اصمتي يا حمقاء وأعطني المال، مال أخيك أو أبيك أو ابن الجيران المهم مال..

خرج الجميع من غرفتهم بعدما سمعوا هذا الحوار والصراخ الحاد ثم قال خالد بأسلوب غاضب:

اسمع يا أبي المصون المكان الذي قدمت منه عد إليه فنحن في غنى عنك، والبيت من دونك أهدى من وجودك فأنت لا تحضر إلا من أجل سلب المال من أمي لا للاطمئنان، وعد للشاطئ واجعل أولئك الخاسئات يصرفن عليك يا أبي العزيز..

ما أن قال خالد عبارته هذه إلا والنار تشتعل في عيني والده والغضب يملأ جسده أخذ يتنفس بقوة ثم وجد نفسه يرفع يده وينزلها بكل ما أوتي من قوة ليصفع ابنه خالد بصفعة تجعله يطير من مكانه ويقع من طوله ثم قال:

أخرج من بيتي يا كلب يا طويل اللسان، أنت الذي لا نفع لك ولا حاجة لنا بك.. أخرج.. أخرج..

أسرعت هند ووالدتها لترى ما حل بخالد وإذ بالدماء تخرج من فمه، وأصابع والده وبصمتها قد طبعت على خد الشاب المسكين، أما بسمة فقد وقفت دهشة من هذا الموقف وعيناها تتساقط منها الدموع بصمت، وقف خالد ونظر لوالده بغضب ثم قال:

حسنا يا أبي العزيز سأترك لك المنزل وسأحملك مسؤولية أمي وأخواتي، وسيأتي يوم تندم فيه.

وعندما مشى خالد متجها نحو الباب كانت تجري وراءه والدته وهي تبكي وتقول:

أرجوك يا بني لا تخرج، لا تدعنا لوحدنا يا بني، إنه ثمل لا يعي ما يقول، لا تترك مسؤوليتنا له أرجوك.

لكن خالد كان غاضبا ولم يع كلام والدته ولم يعره أي اهتمام وأصر على ما قرر، وخرج من المنزل وهو غاضب، خرج من المنزل وهو يفكر بالانتقام، وكيف سيجعل والده يبكي ندما..


تابع الجزء الثاني (http://www.nhd1.com/vb/showthread.php?p=44606#post44606)